الشوكاني
435
فتح القدير
قال معمر : إرم إليه مجتمع عاد وثمود ، وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود ، وكانت القبيلتان تنسب إلى إرم . قال أبو عبيدة : هما عادان ، فالأولى إرم . ومعنى ذات العماد : ذات القوة والشدة ، مأخوذ من قوة الأعمدة ، كذا قال الضحاك . وقال قتادة ومجاهد : إنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع ، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم . وقال مقاتل : ذات العماد يعني طولهم ، كان طول الرجل منهم اثنى عشرة ذراعا ، ويقال رجل طويل العماد : أي القامة . قال أبو عبيدة : ذات العماد ذات الطول ، يقال رجل معمد : إذا كان طويلا . وقال مجاهد وقتادة : أيضا كان عمادا لقومهم ، يقال فلان عميد القوم وعمودهم : أي سيدهم . وقال ابن زيد : ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد . قال في الصحاح : والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث ، قال عمرو بن كلثوم : ونحن إذا عماد الحي خرت * على الإخفاض نمنع من يلينا وقال عكرمة وسعيد المقبري : هي دمشق ، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك . وقال محمد بن كعب : هي الإسكندرية ( التي لم يخلق مثلها في البلاد ) هذه صفة لعاد : أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والشدة والقوة ، وهم الذين قالوا - من أشد منا قوة - أو صفة للقرية على قول من قال : إن إرم اسم لقريتهم أو للأرض التي كانوا فيها . والأول أولى ، ويدل عليه قراءة أبي " التي لم يخلق مثلهم في البلاد " وقيل الإرم الهلاك . قال الضحاك إرم ذات العماد : أي أهلكهم فجعلهم رميما ، وبه قال شهر بن حوشب . وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها ، وإن حصباءها جواهر وترابها مسك ، وليس بها أنيس ولا فيها ساكن من بني آدم ، وإنها لا تزال تنتقل من موضع إلى موضع ، فتارة تكون باليمن ، وتارة تكون بالشام ، وتارة تكون بالعراق ، وتارة تكون بسائر البلاد ، وهذا كذب بحت لا ينفق على من له أدنى تميز ، وزاد الثعلبي في تفسيره فقال : إن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل هذه المدينة ، وهذا كذب على كذب وافتراء على افتراء ، وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء وفاقرة عظمي ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين الدجالين الذين يجترئون على الكذب ، تارة على بني إسرائيل ، وتارة على الأنبياء ، وتارة على الصالحين ، وتارة على رب العالمين ، وتضاعف هذا الشر وزاد كثرة بتصدر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها من موضوعها للتصنيف والتفسير للكتاب العزيز ، فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة والأقاصيص المنحولة والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه ، فحرفوا وغيروا وبدلوا . ومن أراد أن يقف على بعض ما ذكرنا فلينظر في كتابي الذي سميته الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة . ثم عطف سبحانه القبيلة الآخرة ، وهي ثمود على قبيلة عاد فقال ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) وهم قوم صالح سموا باسم جدهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ، ومعنى جابوا الصخر : قطعوه ، والجوب القطع ، ومنه جاب البلاد : إذا قطعها ، ومنه سمى جيب القميص لأنه جيب : أي قطع . قال المفسرون : أول من نحت الجبال والصخور ثمود ، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، ومنه قوله سبحانه - وتنحتون من الجبال بيوتا آمنين - وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتا يسكنون فيها ، وقوله ( بالواد ) متعلق بجابوا ، أو بمحذوف على أنه حال من الصخر ، وهو وادي القرى . قرأ الجمهور " ثمود " بمنع الصرف على أنه اسم للقبيلة ، ففيه التأنيث والتعريف . وقرأ يحيى بن وثاب بالصرف على أنه اسم لأبيها . وقرأ الجمهور أيضا بالواد بحذف الياء وصلا ووقفا اتباعا لرسم المصحف . وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما . وقرأ قنبل في رواية عنه بإثباتها في الوصل دون الوقف ( وفرعون ذي الأوتاد ) أي ذو الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد ، أو جعل الجنود أنفسهم أوتادا لأنهم يشدون الملك كما تشد الأوتاد الخيام ، وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدهم